ابن حزم

205

الاحكام

فيسفك هذا دما يحله باجتهاده ، ويحرمه سائد من ذكرنا فرجا ويحرمه الآخر ويحل أحدهم مالا ويحرمه الآخر ، ويوجب أحدهم حدا ويسقطه الآخر ، ويوجب أحدهم فرضا وينقضه الآخر ، ويحرم أحدهما عملا ويحله الآخر ، ولم يختلفوا قط إلا فيما ذكرنا ، فيجيز لهؤلاء الحكم فيما ذكرنا ، ويعذرهم في اختلافهم في استباحة الدماء فما دونها ، وليس عندنا من أمرهم إلا أنهم فيما بدا لنا مسلمون فاضلون ، يلزمنا توقيرهم والاستغفار لهم ، إلا أننا لا نقطع لهم بالجنة ولا بمغيب عقودهم ، ولا برضى الله عز وجل عنهم ، لكن نرجو لهم ذلك ونخاف عليهم كسائر أفاضل المسلمين ولا فرق ، ثم لا نجيز ذلك لعلي وأم المؤمنين وطلحة والزبير وعمار وهشام بن حكيم ومعاوية وعمرو والنعمان وسمرة وأبي الغادية وغيرهم ، وهم أئمة الاسلام حقا والمقطوع على فضلهم ، وعلى أكثرهم ، بأنهم في الجنة ، وهذا لا يخيل إلا على مخذول وكل من ذكرنا من مصيب أو مخطئ - فمأجور على اجتهاده إما أجرين وإما أجرا ، وكل ذلك غير مسقط عدالتهم . وبالله تعالى التوفيق . فصل قال علي : وحكم الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يورد بنص لفظه لا يبدل ولا يغير ، إلا في حال واحدة ، وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه ، وعرف معناه يقينا فيسأل فيفتي بمعناه وموجبه ، أو يناظر فيحتج بمعناه وموجبه ، فيقول : حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ، وأمر عليه السلام بكذا ، وأباح عليه السلام كذا ، ونهى عن كذا ، وحرم كذا ، والواجب في هذه القضية ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذا . وكذلك القول فيما جاء من الحكم في القرآن ولا فرق ، وجائز أن يخبر المرء بموجب الآية وبحكمها بغير لفظها وهذا ما لا خلاف فيه من أحد - في أن ذلك مباح كما ذكرنا . وأما من حدث وأسند القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحل له إلا أن يتحرى الألفاظ كما سمعها لا يبدل حرفا مكان آخر ، وإن كان معناهما واحدا ، ولا يقدم حرفا ولا يؤخر آخر ، وكذلك من قصد تلاوة آية أو تعلمها وتعليمها ولا فرق ، وبرهان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم